ابن عربي
104
شجون المسجون وفنون المفتون
وسعت الأفهام هاهنا من ذلك ما جاءت به العبارة العليا بقوله تعالى « 1 » : لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها ، ثمّ قال مايدقّ فهمه عن إدراك البصائر ، فيحتاج إلى الإيمان بالغيب ، وهو قوله سبحانه « 2 » : وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ، ولا أعظم من هذا ، وفي قبالة هؤلاء ما أنبأ فيه بقوله « 3 » : وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً ، لأنّ جميع ذلك في النّفس مركز مبثوث « 4 » ، مشاهد لها فيها حيث « 5 » ما تشاهده في الخارج من جميع الجسمانيّات ، فإذا زالت الحجب الجسمانيّة رأت ذلك حاضرا ، ولهذا مثال مشهود من المنام الصّادق ، وهاهنا للمتفكّرين في معراجهم يحسبهم فيه . موعظة لهم وذكرى : ومن ترقّى من هاهنا ، ذائقا بالعمل ، مجاهدا لفكرته عن التّقلقل ، مستقيما ، رافضا للحواسّ ، ملازما لحالة عشقيّة ، ملاحظا للحمد ، رقي من محلّ الإنس إلى مقام التّوحيد ، ومن هنالك يسير إلى الوصول حتّى يصل إلى اليسير فافهم . ولمّا كانت النّفس لا تنال من القرب إلّا بحسب تجريدها ، ولا تجريد إلّا باجتهاد ، قال تعالى « 6 » : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ، ولمّا كان زبدة الجهاد المطلق هو الصّبر ، كان حكم الصّابر كحكم من حبس نفسه عن السّير في سائر السّبل ، إلّا واحدا ، ومن شأنها سير أبدا فسرت فيه ضرورة .
--> ( 1 ) سورة ق : 35 . ( 2 ) سورة ق : 35 . ( 3 ) سورة الكهف : 49 . ( 4 ) في م : « مبثوث » . ( 5 ) في م : « حين » . ( 6 ) سورة العنكبوت : 69 .